الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

510

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وأمّا قوله عليه السّلام : وأحكمتم عقد طاعته . فأقول : في المجمع : قوله تعالى : ( أحكمت آياته ثمّ فصّلت ) 11 : 1 ( 1 ) أي أحكمت بالأمر والنهي ، ثمّ فصّلت بالوعد والوعيد ، أو أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه . وفيه : قوله تعالى : ( يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) 5 : 1 ( 2 ) هي جمع عقد بمعنى المعقود وهو ( أي العقد ) أوكد العهود والفرق بين العقد والعهد أنّ العقد فيه معنى الاستيثاق والشدّ ولا يكون إلا من متعاقدين ، والعهد قد يتفرّد به الواحد ، فكلّ عهد عقد ، ولا يكون كلّ عقد عهدا ، وأصله عقد الشيء بغيره ، وهو وصله به كما يعقد الحبل . أقول : فمعنى الجملة حينئذ أنّكم أحكمتم عقد الطاعة بما للعقد من المعنى الذي نذكره ، أي أثبتم للكلّ وأوضحتم بنحو لا يحتمل فيه الخلاف ، ولا يعرض لأحد لوضوحه الاشتباه ، أنّكم ملتزمون بعقد طاعته ، وهذا الإحكام ثابت لأنفسهم الشريفة فيما بينهم وبين خالقهم ، وقد عقد قلبهم عليهم السّلام عليه ، ودلّ عليه قيامهم بالعمل بالوظائف الشاقّة بتمام الجدّ ، كما دلَّت عليه أحوالهم المأثورة من العبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على حوادث الأمور الصعبة ولو بمثل القتل فكيف بما دونه . وبعبارة أخرى : أنّهم عليهم السّلام صاروا بإحكام عقد الطاعة له تعالى كالميّت بين يديّ الغسّال ، فهم في قبضته تعالى ، وفوّضوا أنفسهم وأولادهم وأموالهم وجميع ما آتاهم اللَّه تعالى إليه ، فهو تعالى المتصرّف فيها كيف يشاء ، وهم عليهم السّلام لا يريدون إلا ما أراد اللَّه ولا يشاؤن إلا ما يشاء اللَّه كما تقدّم ، وتقدّم قول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : " من أراد أن ينظر إلى ميّت وهو يمشي ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام " فهذه الجملة كأنها تفسير للجملة السابقة أعني قوله عليه السّلام : " ووكَّدتم ميثاقه " فإنّ توكيدها يظهر بإحكام

--> ( 1 ) هود : 1 . . ( 2 ) المائدة : 1 . .